ميزان سورة الفاتحة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ميزان سورة الفاتحة

مُساهمة  الوالد في 2007-12-11, 8:30 pm

بسم الله الرحمن الرحيم

ميزان سورة الفاتحة


كلمات معدودة وآيات محدودة تضمنت مجملا لكل إسرار ومقاصد الدين ورسما كاملا لحركة جميع المخلوقات في الوجود. كل ذلك في السورة التي تنظم علاقة المخلوق ( الذي اختار الإيمان ) بخالقه ، فترسم له المسار والميزان الذي يضبط به حركته مع باقي المخلوقات العاقلة ( المؤمنة و غير المؤمنة ) في الوجود ليرضي ربه ويسعد في دنياه وآخرته ، ويتوافق مع الفطرة ( والدور الذي اختاره خالقه له ).

تضمنت السورة ثلاث مقاصد أساسية :

• الإيمان
• العبادة
• المعاملة ( ومنهجيتها الفكرية والسلوكية )


1. ففي المقصد الأول ( المتعلق بالإيمان ) فانه يشمل أمرين أساسين
• إيمان المخلوق بان الله خالقه وخالق كل شئ ورب كل شئ ، ( رَبِّ الْعَالَمِينَ ).
• الإيمان بان هناك يوم آخر سيحاسب فيه المخلوق الذي امن وكل مخلوق ( امن أو لم يؤمن ) عن كل عمل عملوه في حياتهم الدنيا ، و القاضي في ذلك اليوم هو الله الخالق والحاكم العادل (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) الذي لا يظلم أحدا .

إن هذا الإقرار يعني إن المخلوق أيقن إن وجوده في هذه الدنيا هو وجود مؤقت ، الغاية منه الامتحان والاختبار . وان حياته الحقيقية هي الحياة الآخرة . ولكن منزلته ودرجته في تلك الحياة الطويلة سيحددها ما يعمله في هذه الدنيا . ومقدار ما يبذل من مجهود لتحقيق مقتضيات هذا الإيمان والإقرار والعقد الذي دخل فيه .

وهكذا فان المقصد النظري الأول يأتي كمقدمة للمقصدين العمليين وهما العبادات والمعاملات .

2. فترى المقصد التالي الذي أوضحته السورة هو ( العبادة ) : وهذا جانب عام يشمل كل عمل يربي به العبد نفسه ويخضعها لسيدها وخالقها ، ليتعود الطاعة الممزوجة بالمحبة والرضا عن كل ما يفعله الحبيب . ولقد جاءت السورة بعبارة دقيقة للتعبير عن كمال العبودية بقول العبد لخالقه وكما علمه هو أن يقول : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ، وهذا التعبير يفيد حصر العبودية لله وحده دون سواه ، وحصر الاستعانة بالله وحده دون سواه . ولو جاءت بأي لفظ آخر تحتمله اللغة ( كلفظ ..( نعبدك) ...مثلا.. ) لما أعطى هذا المعني الدقيق كما أوضح علماء اللغة .3. ثم يأتي المقصد الثالث . الذي يوضح المنهج العملي لكل ميادين الحياة ( الفكرية والسلوكية ) ، بطلب العبد من خالقه أن يهديه إلى السبيل الذي اختاره له وعلمه أن يطلبه بقوله ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (*) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ) .
وهكذا تبين هذه الآية إن هناك ثلاثة سبل وأساليب في حياة الناس ،
أسلوب مستقيم ( معتدل )
يتوسط السبيلين الآخرين وهما :
 سبيل المغضوب عليهم ( بالإفراط )
 وسبيل الضالين ( بالتفريط )


وكمثال عن هذه الأساليب الثلاثة في المجال الفكري والعقائدي : ما أوضحه المفسرون في موضوع الاعتقاد بالسيد المسيح ( عليه السلام ) عند أتباع الديانات الثلاثة ، فقد أفرط النصارى بالاعتقاد فيه فرفعوه إلى مرتبة الإلوهية ، فيما فرط اليهود في الاعتقاد بصدق نبوته ونسبوه إلى الزنا ( لما عرف من ولادته من دون أب ) . والقول السليم فيه انه بشر ونبي وآية من آيات الله ( إذ خلقه الله من دون أب لحكمة أرادها ، كما خلق ادم قبله من دون أب ولا أم ) . وان الافراط الذي وقع فيه النصارى ( بمنح السيد المسيح رتبة اعلى من رتبته ) لم يكن له ما يبرره ، لان رتبته ومنزلته ليس فيها من النقص التي ينتظر من احد ان يزيد فيها ويرفعها . وهكذا اوقعوا انفسهم في افراط حتى تحول بمرو الزمن إلى سلوك مستقر في انفسهم ، جرهم هذا الافراط إلى تفريط في امور اخرى كثيرة .

ومثال آخر في مجال السلوك ومنهجيته المتوسطة . ذلك هو الإنفاق من دون إسراف ولا تقتير ، كما ورد في قوله تعالى (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) ، وهكذا يكون الإسراف في موقع ( الإفراط ) فيما يكون التقتير والبخل في موقع ( التفريط ) والسبيل القويم هو فيما بينهما باجتهاد وفطنه لاتصل بصاحبها إلى هذا الحد أو ذاك .
واكتفي بهذه الأمثلة وما ذكرته من أمثلة في مقالي السابق الذي أوضحت فيه القاعدة السلوكية الشهيرة ( كل فضيلة بين رذيلتين ) والتي تعبر عن نفس مضمون الآيات المتقدمة ، بل هي قبس من أنوار السورة الشريفة .

واني أرجو أن أكون قد كشفت للقارئ الكريم المعيار والميزان الذي يستطيع أن يستكشف به سبيله ( من دون إفراط في شئ ولا تفريط فيه ) ليسعد في الدنيا والآخرة . وليعلم إن كل إفراط يؤدي إلى تفريط ، كما إن كل تفريط يؤدي برد الفعل إلى إفراط .

كما واترك لخيال وفطنه القارئ اللبيب أن يستعرض في ذهنه أمثلة أخرى للتوسط في السلوكيات المعروفة وأمثلة أخرى للتوسط في الآراء المطروحة . كي يلتمس طريقه بهدي القران وميزان فاتحة الكتاب . وليتوافق مع موقع التوسط الذي اختاره الله له . من غير وصاية من قريب ولا بعيد . فالمتأمل بفكر ثاقب و حيادية علمية سيجد إن هذا الميزان يمكن تطبيقه على كل مفردات الحياة ، وسيكتشف مواضع الإفراط والتفريط هنا وهناك .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_________________

المقال مباح لكل شخص نشره باي وسيلة اراد

avatar
الوالد
Admin

المساهمات : 23
تاريخ التسجيل : 08/12/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alwaled.montadalhilal.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى