التوحيد السلبي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

التوحيد السلبي

مُساهمة  الوالد في 2008-06-04, 6:17 pm

التوحيد السلبي
إن من أساسيات الإيمان توحيد الله سبحانه وتعالى في ذاته وصفاته , وقد انسحب فهم المسلمين للتوحيد إلى توحيد مناهجهم وأساليبهم العقلية وقناعاتهم الفكرية , فترى اغلب الناس يضيق ذرعا بتعدد الآراء واختلاف طرق الاستنباط وتنوع المفاهيم وتباين المواقف , ويرى إن قوة الجماعة هو بوحدة كلمتها , ووحدة مواقفها , وتطابق أراء أفرادها , ولا يدري انه خالف فطرة التنوع في الخلق , ونسب الوحدانية لهم أو لجماعة منهم أو لشخص بعينه
ومنبع هذا المنهج هو توحيد الفرد لذات نفسه , وسعيه لتوحيد الخلق معها . وهو يعبر عن هذا الدافع بإظهار الحرص على وحدة الجماعة أو الأمة أو الطائفة......... وما أشبه ذلك .

إذن ففكرة توحيد الناس على مفهوم واحد أو فكر واحد أو منهج واحد.........كل ذلك هو ( الشرك) الذي جاء التوحيد الحقيقي ( لله تعالى ) للتحذير منه , لان الفهم والإدراك والتفكر كلها نتاج بشري ( غير مطلق أو ثابت ) وان النتاج البشري مهما بذلنا فيه من الاجتهاد في تحري الصواب يبقى قابلا للتطوير والتعديل والإضافة , فما كان منه صالحا لمخلوق قد لا يصلح لغيره , وما كان صالحا لزمن قد لا يصلح لغيره , وما كان موافقا لمتطلبات مجتمع قد لا يصلح لغيره .... وهكذا .

والحاصل إن المناهج الفكرية والآراء المذهبية وأحكامها كلها أمور غير مطلقة , وان نسبة الحق المطلق إليها هو نسبته إلى فهم أصحابها , فالقران الكريم هو كلام الله بلا ريب , ولكننا لا نستطيع أن نجزم بان فهمنا له هو الحق الذي لا ريب فيه . ذلك لان ما يدركه العقل من القران هو كصورة ما يقع من الأشياء في مرآة , فكلما كانت مرآة العقل مستوية وصقيلة وذات بعد مناسب عن الشيء الذي تستقبل صورته , وينتشر في الموضع الذي يفصلها عن ذلك الشئ نور كافي , كلما كانت الصورة اقرب للحقيقة , أضف إلى ذلك الزاوية التي ينظر منها إلى الشئ .

مما تقدم يتبين بوضوح إن لكل عقل صورته الخاصة عند النظر إلى الأشياء لا يمكن أبدا أن تتطابق تطابقا تاما مع ما يصوره عقل غيره , حتى وان كان المنظور إليه هو القران الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
نعم إن القران لا يأتيه الباطل ولكن إدراك العقل للقران ومفاهيمه ( أو صورة القران في العقل ) يمكن أن يأتيها الباطل بحسب درجة انحراف العقل والنفس والقلب الذي يتلقاه .
ونصل مما تقدم إن الإنسان الذي لا يدرك هذا الأمر الخطير فهو منسوب بنسبة ولو كانت ضئيلة إلى الشرك. وكلما كان معتزا بكمال منهجه ويرفض التنازل عن ثوابت فهمه كلما ارتفع في سلم الشرك . وذلك لأنه حول فهمه إلى صنم يعبده مع الله.

قد يكون كثيرا من المثقفين يعلم هذه الحقائق ولكن المانع من الاعتراف بها ثلاث قيود
1. الوصاية العامة على العقول ( طائفيا ودينيا وحزبيا واسريا ......... ), التي تنذر كل متمرد على أحكامها بالويل والثبور والقطيعة الاجتماعية , هذه الوصاية التي يفرضها كل فرد على كل فرد دون أن يشعروا .
2. ادعاء أن ما هو متداول من الآراء والمفاهيم هي أراء رموز كبيرة ( من الائمة أو المفكرين او القادة أو الزعماء أو الأجداد ........ وما شابه ) لمنح هذه الآراء رصيدا وزخما يمكن أن يتهم كل متمرد عليها بالغباء أو الكفر أو الإلحاد , وهكذا يسهل المزايدة على المفكرين والعباقرة وتكم أفواههم . ليستمر التنويم العام الذي يقوده أشباه المتعلمين .
3. الرقابة النفسية التي تفرضها كل نفس على صاحبها , وتمنعه من أن يستخرج مسلماتها ليعرضها على ضوء العقل ليستكشفها ويفحصها
.


وهكذا يعيش الجهل ويدافع عنه ويضحى في سبيله بكل تفوق ونبوغ . ويذهب المبدعون إلى زوايا النسيان خائفين مذعورين من كشف أفكارهم التي لا تروق لمنحرفي الفطرة الذين لا يرون إلا أنفسهم ويضيقون بكل مخالف لها , ولا شغل لهم إلا توحيد الوجود مع نفوسهم , لا توحيد نفوسهم مع تنوع الوجود ووحدة خالق الوجود
[/size][/size][size=12]




_________________

المقال مباح لكل شخص نشره باي وسيلة اراد

avatar
الوالد
Admin

المساهمات : 23
تاريخ التسجيل : 08/12/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alwaled.montadalhilal.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى